• الرئيسية
  • قصة قصيرة
  • ادب عربى وعالمى
  • رجيم وصحة
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • زرقــة بــحــر... و مــوعــد (15)

    لا داعي للقلق هي السّاعة الثّامنة صباحا، قد يكون الهاتف خارج الخدمة أو قد يكون المكان لا تغطيه شبكة الهاتف الجوّال بصفة دائمة أو عرضية، قد تكون نسيت أن تفتح الهاتف بعد أن أغلفت خدمة تلقّي المكالمات ليلا تجنّبا للإزعاج أو لمكالمة تقضّ مضجعها و تحرمها من نوم هادئ ثمّ ماذا لو نسيت

    الهاتف في المنزل و لم تنتبه لهذا إلاّ بعد فوات الأوان أو تكون نسيت شحن البطّارية كعادتها و لم تتفطّن لنفاذ الشّحنة إلاّ و هي في الطّريق إلى العاصمة، يحدث هذا عندما تكون منشغلة بأمر مّا كهذا الموعد، لما لا ؟ ألم يسبق له أن نسي هاتفه بالبيت أو بجهاز الشّحن بالمكتب و لم يتفطّن إلا بعد أن يخرج للعمل أو بعد أن يعود منه ، كم كلّفه هذا الكثير من الإحراج لأنّ البعض من أصدقائه يظنّون أنه تجاهل مكالمتهم عن قصد أو لعدم رغبة في أيّ التزام و لحسن حظّه أنّ الغالبية منهم يصدّقونه لمّا يعلمهم بالحقيقة و أنّ الهاتف لم يكن معه إبّان المكالمة لما يعرفون عنه من تناسيه لمثل هذه الأشياء لمّا يكون منشغلا فيما هو أهمّ . راودته كل هذه الأفكار عندما لم يستحب هاتفها لأيّة محاولة اتّصال رغم تباعد محاولات المهاتفة ورغم أنّه غيّر أماكن الاتّصال خوف أن يكون هو خارج الشبكة.

    لا داعي للقلق، هي في كلّ الأحوال في الطّريق إلى العاصمة ، قد تكون سافرت لتوّها أو منذ زمن أبْكر ، كلّ ما يعرفه أنها ليست نئوم و لا تتلاعب بمواعيدها ألاّ في الحالات القاهرة لذلك لم يساوره شكّ في قدومها و لو ببعض التأخير و هذا لا يهمّ و يحدث في بلاد حالة طرقاتها رديئة و كلّ مشكل جولاني و مروري يسبّب تعطيلا جديدا على أيّة سفْرة .

    قرّر أن يتّجه أوّلا إلى المقهى لتناول قهوته الصّباحية بما أنّ الوقت لا زال باكرا و لا يزال يفصله على الموعد ما يزيد على السّاعتين فلا موجب للقلق فقط لو كانت كلّمته على الهاتف لأطمأنّ أكثر و تبدّدت شكوكه و هلوسته ثمّ أنّ الشبكة الهاتفية أزعجته كثيرا هذا الصّباح. طلب قهوته من النّادل و اتّجه إلى ساحة المقهى المفتوحة على الهواء الطّلق هروبا من رائحة السجائر والنّرجيلة التي لا يطيقها و لا يستسيغها بل و يعجب لهؤلاء كيف يدخّنون النّرجيلة في مثل هذا الصّباح الباكر كأنّه لا شغل لهم و لا إلتزام لهم إلاّ رغبة التّدخين ؟ إنّ تدخين النّرجيلة في مثل هذا السّاعة يذكّره دائما بأنّه في بلاد لا أهميّة للوقت فيها ويعجب أيضا أن الحالة الوحيدة التي يصبح فيها للوقت أهمية قصوى هو عند السّياقة ، عندها فقط يصبح الوقت من ذهب و ترتكب كلّ حماقات السّياقة و ما ينجرّ عنها من مصائب الحوادث لأجل بعض الدقائق.

    يتناول قهوته وهو يراقب ساعته ، كانت الدقائق تمرّ متثاقلة كأنّ عقارب السّاعة واقفة ، يقتله الترقّب و تقتله حالة اللاّوضوح، يشعر أنه لا يمسك بزمام الأمور ما دامت لم تتّصل به ، يشعر أنّه تحت رحمة المجهول و لا يستطيع ترتيب جدول أوقاته لأنه لا يملك حقّ التصرّف في هذا الوقت وهو تحت رحمة سيف الانتظار .

    بعد ساعة أمضاها في المقهى رغما عنه غادر المكان في اتّجاه مكان الموعد حيث سيستقبلها و سيكون بعد ساعة من الآن وجه لوجه و يد بيد. فكّر جيدا في لحطة لقاءها ثمّ خامرته فكرة كاد أن لا يهتم لها كثيرا، سيمرّ على بائع الزّهور وهو في الطّريق إليها وهذا لن يكلّفه تعبا ، سيقتني منه باقة ورد، لا بل وردة ، وردة حمراء مثلا فهو بريحه لون الورد الأحمر بل للورد وقع خاصّ في داخله و أثر منعش على نفسيّته ثمّ أنّها ستكون مسرورة و سعيدة لو أهداها صباحا وردة ، هو أعلم بوقع الوردة الحسن عليها وهو أعْلم برقّتها و برهافة إحساسها . ابتسم وراقت له الحركة، فكرة الهديّة جيّدة فالوردة لا تغار من الوردة و رائحة الوردة كذلك لا تتنافر و عطرها،سيتكاملان ،ورد صباحيّ و عطر نسائي ينمّ عن ذوق رفيع ، لذلك سيختارها من بين عشرات الأنواع من الورد الأحمر يانعة بقدر جمال حبيبته.

    أقتنى وردته بالشّكل الذي يعتقد أنّه يعجبها و باللّون الذي يعتقد أنه الأقرب للأحمر القاني و الأحلى و الأكثر جاذبيّة ، وضع الوردة التي لفّها في ورق أبيض كريستالي شفّاف و خبّأها في جيب معطفه الدّاخلي بعناية شديدة و بطريقة لا يراها أحد و بشكل تحافظ فيه الوردة على إشراقها و تورّدها حتى تحدث فعلها المنتظر عليها عندما يهديها إيّاها في الوقت المناسب حسب الظرف و مجرى اللّقاء.

    لا يستسلم لليأس ، يعيد مهاتفتها وهو في الطريق و يسمع نفس الجواب الهاتفي المبرمج " هاتف مخاطبكم ليس في حالة استعمال أو خارج الخدمة، الرّجاء إعادة طلبكم لاحقا أو ترك رسالة صوتية ...شكرا " يستبدّ به القلق فلم يبقى على الموعد إلاّ نصف ساعة تقريبا ، يتجاهل الأمر يحب أن لا يشتدّ عليه هذا الضّيق و هذا التوتّر ، يجب أن يتماسك حتّى لا يفقد صبره و تضيع بوصلته فلعلّها تريد مفاجئته بوصولها الغير منتظر لترى ردّ فعله عندما يراها فجأة وهو في حالة قلق و انتظار، نعم، لها جنونها و نمط خاصّ للخروج عن المألوف، ثمّ ما عساه أن يفعل لو قرّرت استفزازه لأجل المداعبة و اختبار صبره ؟ سيتحمّل هذا رغما عنه لأنه قبل وبعد كلّ شيء لا يستطيع أن يغضب منها إلاّ لبعض الدقائق وهي حتما تعرف هذا جيّدا، بل و تتعمّد إثارته بمثل هذا سابقا لتتأكّد من أنه لا زال يحبّها كما تتصوّر هي و أكثر، فقد كان يسلّيها استفزازه و اختبار صبره عليها و قدرته على التحمّل.

    وصل إلى مكان الموعد، هي محطّة واسعة مليئة بالمسافرين في حركة ذهاب و إيّاب و بشكل متواتر و سريع ، لم يسعفه صبره ليجلس في قاعة الانتظار لأنّه لا يتحمّل الترقّب وهو جالس حتّى لا يثقل عليه الأمر و يزيد توتّرا، سيقتل هذا الترقّب بكل ما هو ممكن،يتّجه لكشك الجرائد و المجلاّت يطالع العناوين الكبيرة في الصّفحات الأولى ، يبحث عن عنوان يستهويه لعلّه يشترى عددا فلا يجد ما يجذبه فكلّها عناوين مستوحاة من أخبار القنوات التّلفزية لليلة البارحة، في المقابل تستهويه قطعة من الشكلاطة من النّوع المستورد مرصّفة على إحدى رفوف الكشك ، يشتري قطعتين بعد أن تثبّت في تاريخ صلاحيّة الاستهلاك ثم يغادر المكان و يمشي حيث ساقته قدماه دون وجهة معلومة.

    هي ساعة الموعد بالضبط، لم تتكلّم و لم تأت، شعر بدوار في رأسه، كأنّها لن تكون في الموعد ؟ أو كأنّ مكروها حدث فلا يمكن أن تستهتر بمواعيدها هكذا دون إشعار مسبّق و لو كان في آخر وقت. يتفرّس وجوه المسافرات واحدة بواحدة، لعلّها أتت و تكون أضاعت هاتفها في الطريق و لم تجد بدّا للاتصال به أو لعلّ....؟ لو كان هكذا لاتّصلت به من إحدى غرف التاكسفون الموجودة بالمحطّة ، هل يعقل أن تكون نسيت رقم هاتفه؟ يبتسم ابتسامة السخرية " هناك أرقام في الحياة لا يحب أن تنسى و لا يمحوها الزّمن " هكذا قال بتمتمة وبشعور بالمرارة و الإحباط ، لا يمكن أن يغفر لها لو نسيت رقم هاتفه، هناك أرقام هواتف لا يجب أن تنسى و هناك عناوين و أماكن و وجوه لا يحب أن تنسى بل هناك مدن كاملة بشوارعها و أزقّتها و بناياتها لا يحب أن تنسى ما دامت تخطّ ذكرى جميلة أو حتى ذكرى قاسية أو خيبة أمل.

    سيتحمّل هذا البرد القاسي و الطّقس المتقلّب في انتظارها فلا يمكن له أن يغادر المكان بمجرّد فوات الموعد دون قدومها، سينتظرها و كلّه أمل في أن تأني و لو متأخّرة بعض الوقت ، ساعة أو ساعتين ، أصبح التأخير غير ذي أهميّة ، المهمّ أن تكون بخير و أن لا يصيبها مكروه، لو قدمت بعد كل هذا الانتظار سيكون سعيدا و سيترك كل لومه وعتابه و حتى غضبه منها جانبا. سيتثبّت في وجوه المسافرات القادمات منهنّ خاصّة مهما سبّب له هذا من إحراج خاصّة عند ملاحظة إحداهنّ بأنّه يراقبها أو يسترق النظر إليها و يتبيّن ملامحها ، قد تظنّها معاكسة أو ما شابه ذلك أو تعدّي على حريتها الشخصية في أن تكون وحيدة في محطّة المسافرين، قد تظنّه وقح و تنقصه همّة الرّجال أو الخلق الحسن، لذلك كان يشعر بحرج و يتمنى أن تبتلعه الأرض عندما ترمقه امرأة بحدّة أو بتضايق و تبرّم ، يكاد يعتذر إلى بعضهنّ ويشرح أمره و مقصده لكنّ خجله يمنعه من ذلك فهو لا يريد تعقيدا أكثر ، فلتظنّ ما تظنّ فهو ليس هنا لمعاكسة النّساء وهو يشعر بارتياح في داخله رغم حالة الارتباك و الحرج اللّتان يشعر بهما عندما يتأمّل وجه امرأة و مهما كان ردّ فعلها.

    يشعر بالجوع و عدم الرّغبة في الأكل في آن واحد ينظر في السّاعة الحائطية للمحطّة، ينتبه إلى أن الوقت تجاوز منتصف النّهار بقليل، يجفّ حلقه من الحيرة و القلق، يفتح قارورة صغيرة من الماء ويشرب أكثر من نصفها ليقتل عطشا شتائي وبعدها يقتطع قطعة من الشكلاطة ليقضمها حتى يتغلّب على حدّة المرارة التي شعر بها في حلقه ، ممكن أن يتغلّب على ذوق المرارة لكن كيف له أن يتغلّب على شعوره بالمرارة و الخيبة التي نهشته نهشا ؟ الظّاهر أنّها لن تأتي ، هل يمكن لها القدوم بعد أكثر من ساعتين على موعدها ؟ كان عليها أن تخبره لكنّ بعدها يتراجع في عتبه قائلا في داخله " المهمّ أن تكون بخير، و بعدها نسوّي الأمر" .

    امتزج شعور الخوف و المرارة و الخيبة و القلق، أصبح كلّ شيء قاتم، لو كان يعرف بيتها أو حتّى الحيّ الذي تسكنه لسافر لتوّه إلى مدينتها لتقصّي الأمر و معرفة الحقيقة و الاطمئنان عليها، تعجّب كيف لم يخطر بباله في يوم مّا و منذ أن تعارفا أن يسألها عن عنوان بيتها و إقامتها ، لماذا اكتفى فقط باسم مدينتها، ألهذا الحدّ لم يكن فضوليا أو هي حالة إهمال عُرف بها؟ كيف اكتفى باسمها و رقم هاتفها و مدينتها ؟ هل كان هذا كاف ؟ أبدا لا، و الدّليل أنّه اليوم في ورطة و يعجز عن الاتّصال بها ، لم يخطر هذا بباله أبدا و لم يأخذ الأمر بالجديّة اللاّزمة وهاهو يقع فيما لم يتوقعه أبدا .

    بلغ به اليأس الحدّ الذي جعله يفقد أعصابه و صبره، يحاول الاتّصال بها مرّة أخيرة لكنّه لم يفلح، هي الواحدة زوالا، عليه أن يغادر المكان و أن يفكّر فيما يجب فعله،سيعود لوسط المدينة خائبا مرهقا غاضبا و محتارا و خائفا عليها، هو شعور مرير أن تكون في مثل هذا الوضع المحرج، شعور بالخوف الشّديد فلا يحب أن يحدث أيّ مكروه لها فكل شيء يحدث سيجد له حلاّ مناسبا إلاّ أنّ مكروها ، يحب أن تكون في صحّة جيّدة و في مأمن من كلّ شرّ و ليكن ما يكن، استهتار بموعد ؟ تراجع في آخر لحظة ؟ طارئ أفسد اللّقاء؟ تناسي أو نسيان و هو شيء مستبعد؟ لكنّ أن يكون مكروها فهذا ما لا يقبله و هذا ما يثقل عليه بل و يرعبه.

    يعود إلى وسط المدينة متثاقلا و تائها، لقد آلمه أن يشعر بالعجز و الخيبة و بأنّه عاجز عن حلّ اللّغز و سرّ الغياب كان يؤلمه أنّه تحت رحمة المجهول أو مكالمة هاتفية قد تأتي أو لا تأتي، هيمن عليه الانفعال و التوتّر و أصبح لا يدري أين يذهب و ماذا يفعل؟ يجوب شوارع المدينة بلا هدف و لا مقصد ، أصبح المارّة كالأشباح أمامه فلم يعد يتفحّص الوجوه كما لم يعد ينتبه للسّيارات و الإشارات الضوئية كأنّ المدينة خالية من سكّانها،صار يعيش في عزلة تامّة عن العالم، أين ستنتهي محطّته الأخيرة؟ أيعود إلى البيت أم يسافر في رحلة بحث عليها لعلّه يصادفها أو يسمع أو يجد ما يدلّ عليها ؟ هام على وجهه كسفينة بلا ركّاب و لا ربّان تتقاذفها الأمواج حيث تشاء، سلّم أمره إلى المجهول ، إلى اللاّشيء ، إلى العدم فكم هو مؤلم أن يشعر المرء بالعجز و الهزيمة فمن كان مثله يكون على استعداد ليدفع حياته لقاء أن لا يؤول لهذا المآل و المصير.

    فجأة يستوقفه مشهد أخرجه من حالة التيْه و الشّرود ، توقّف عن السّير ، حكّ عينيه كأنّه لا يصدّق ما يرى ـ أعاد النظر مرّة أخرى ليتأكد مما يرى، عليه أن يتقدّم أكثر ليتّضح المشهد و يتبيّن وجوه زبائن هذا المقهى الفاخر، حملته قدماه إلى حيث يريد على بعد بعض الأمتار ، توقّف مشدوها وهو لا يصدّق ما يرى، شعر بتعرّق رغم الطّقس البارد، ارتجف جسده و أخذته رعشة كرعشة صدمة الكهرباء ، عليه أن يتماسك و أن يكون ثابتا أمام هذا المشهد الصادم فلا يمكن لأيّة عاصفة أن تقتلعه من مكانه. نظر جيّدا نحو الطّاولة الموجودة في الرّكن، هناك تجلس امرأة تشبهها، بل تكاد أن تكون هي...بل هي...بالتأكيد هي...أمامها كأس من عصير البرتقال ؟ يقابلها رجل لم يتبيّن وجهه و ملامحه لأن موقعه على الطّاولة لا يسمح بذلك،وجها لوجه معه يتحادثان في أمر مّا ، كانت نظّارتها السوداء على الطاولة بجانب حقيبتها اليدوية بينما يرتشف هو على ما يظنّ فنجان قهوة ؟ تسحب كأس العصير جانبا و تشعل سيجارة ثم تستغرق في الحديث معه بينما كان يصغي إليها بكلّ اهتمام . لم يصدّق ما يرى، لفّ الضّباب عينيه تماوجت صورتها كأنّها منعكسة على الماء ثمّ ذبلت كلّ ملامحها و انمحتْ... من يكون هذا الرّجل؟ و لماذا قدمت إلى العاصمة ثمّ بدّلت وجهتها، لماذا تركته فريسة الانتظار ثمّ... هل فعلا كانت تحبّه؟ سلسلة مت الأسئلة تتالت في مخيّلته و قصفته قصفا عنيفا. يا الله من يكون هذا الرّجل...؟ هل هو قريب، أخ، خال، عمّ أم أنّه...؟؟؟ لماذا أطالت ضفائرها إلى حدّ خصرها، أيُعْقل أن تكون هذه المدّة كفيلة بإطالة شعرها إلى هذا المستوى و كيف بدّلته إلى اللّون الأسود الدّاكن؟

    تأكّد ممّا لا مجال للشكّ فيه أنّها رأته و تجاهلته فلقد تعمّد الاقتراب منها و الوقوف قبالتها حتّى يتأكد من أنها هي و يمحو كل شكّ فيها، تثبت في شكل ضفائرها كان طولها و شكلها موضع ريبته ، نعم هي ، هل يعقل أن تضع بروكة لتتخفّى ؟ عندما اقترب منها أكثر سمع صوتها بنبرته المعهودة التي لا يمكن أن ينساها ، نعم هي بلحمها و عظمها فلم يعد أيّ مجال للشكّ في ذلك. يال قسوة المشهد عليه، ليته لم يعرفها و لم يرها من قبل ، آلمه أن تتحاشى النّظر إليه و أن لا تعطيه تفسيرا لما يحدث، هل أساء إليها حتّى تمسح في يوم و ليلة قصّة عشق يحسدهما عليها كلّ عشّاق الأرض؟ أسودّت الدّنيا في عينيه و بدا المشهد بائسا و فاحت رائحة الغدر، تحسّس جانبيه ،يجب أن يفعل شيئا مّا، أن يغيّر المشهد بأيّ كان ، بصاعقة بدمار أو بأي شيء مريع، يجب أن يقلب الطّاولة، لا يجب أن يبقى عاجزا أمام هذا الذي يرى، تحسّس بندقيته، البندقية التي رافقت صباه و التّي كان موضعها جدار بيتهم القديم ، كأنّه أنتزعها من مكانها كما كان يفعل منذ سنين، تحسّس مخزن الرّصاص، رصاصة أولى و ثانية ، هذا يكفي ، رصاصة لقتل الرّجل ثمّ رصاصة لقتلها ... لا بل لقطع ضفيرتها، نعم فبقطع ضفيرتها تعود لشكلها الأوّل، الشّكل الذي أحبّها فيه، الشّكل الذي طالما زاره ليلا و ألهمه كل هذه الرؤى الجميلة، بعد أن يقطع ضفيرتها سيقرّر ماذا سيفعل بالضّبط. وجّه فوهة البندقية إلى ظهر الرّجل الذي يجلس أمامها، كان ينتظر أن تتحرّك أو تصيح أن تحاول حمايته من الرّصاصة لكنّها لم تفعل فقد تجاهلت الأمر تماما كأنّه لا يعنيها موته، عندها أطلق الرصاصة أصابته في الظهر ، لأول مرّة في حياته يطلق رصاصا في الظّهر ، لقد أعماه المشهد الفظيع ففقد حتّى قيم الصّيد التي تعلّمها ، يجب أن يترك للفريسة فرصة للنّجاة، هذه قاعدة الصّيد الأولى، لكنّه لم يترك له أيّة فرصة للهرب و النجاة، قيم المدينة تغلّبت على قيم الرّيف قد يكون تفسّخ بدوره أم أنّ شعوره بالغدر و غيرته عليها أعمته؟ سقط الرجل تحت وقع الرّصاصة، كان على مرمى للرّصاصة سهل الإصابة ، لم يئنّ حتى كأنّه مات قبل الطّلقة، لو لم يره يرتشف قهوته لقال إنّه ميّت من زمان. بعدها صوّب بندقيته نحوها فلم تحرّك ساكنا ، أرادها أن تقول شيئا قد تثنيه عن الطّلقة لكنها لم تفعل ، أطلق الرّصاصة الثانية نحو ضفيرتها، لماذا اختار ضفيرتها، هل لازال يحبّها و خاف أن تموت هل كان يريد أن يسمع تفسيرا أخيرا لما حدث؟أطلق الرّصاصة، قطعت الطّلقة الضفيرة ثمّ اشتعلت النّار في المكان كأنّ الضفيرة من الكبريت ، عمّت ألسنة اللّهب كلّ أرجاء المقهى ، لم يعد يرى شيئا فاللّهيب و الدّخان ملآ المكان و عمّ الحريق كل الشّارع و المقاهي المحاذية ، لا شيء يمكن أن يوقف هذا اللّهيب الكبير ، هل أصبح "نيْرون" روما ؟ هل يريد أن يطهّر المدينة من إثمها و من جرذانها و ينزع وجهها الرديء؟

    أين هي ؟... يريد أن يراها يشكلها الجميل قبل أن تطيل ضفائرها، عندما كانت وفيّة لوعودها، عندما كانت ضحكتها تملأ عليه المكان و عندما كانت ظلّ الملائكة و نور الصّباح . أين هي؟... سيعيد لها بسمتها و إشراقها الذي يعرفه سيعيد لها عطرها و عقدها و بياضها و اكتنازها و شكل شفتيها و جموح نهديها سيعيد جمال عينيها و نورهما ليستضيء ليلا و يكمل قصّة للعشق لن تنتهي. أين هي ؟ ... هل هي تحت ركام اللّهيب ثمّ لماذا لم تمنعنه من إطلاق الرّصاص، هل كانت مثله تريد تطهير المدينة من رجسها، لماذا لم يسمع حتّى صرختها و لماذا اختفت و راء اللّهيب؟ يا الله ما الذي فعل ؟ هل كان محقّا في إحراق المدينة بمن فيها ...؟

    يدور في أنحاء المدينة القفْر ، مدينة تحت الأنقاض لا حياة فيها ، يرعبه فعل النّار ، يصيح في الخلاء القفر كأنّه يريد تبريرا لما حدث : أنا لست "نيْرون" روما، أنا فقط عاشق أضاع موعده ذات شتاء ، يكره رائحة الغدر و يقتني ورده منذ الصّباح، ورده الأحمر القاني . يخرج وردته من جيب معطفه و يضعها إلى جانب البندقية ثمّ يصيح : لست "نبرون" روما ، أنا العاشق الذي يهدي الورد للورد، للجميلات ، للّواتي ريحهنّ شيء من ريح جنان عدن ، و يطلق الرّصاص على مواخير المدينة و شكلها القبيح...اسمعوني ... اسمعوني...ما لكم لا تجيبونني؟ أيعقل أن أكون أحرقت وردتي الباسقة ذات شتاء و ذات غضب ؟ أيمكن أن أدمّر قصّة عشق بطلقة رصاص، أكان عليّ أن أتحمّل قسوة هذا الذي حدث؟

    ضرب بيده بقوّة على الحائط كانت الضربة مؤلمة لدرجة أنه استفاق من نومه مرْتعبا و غاضبا و قد جفّ حلقه ، لم يصدّق أنّه كان في حلم مزعج، كاد أن يجثم على ركبتيه من هول ما رأى في منامه ، شرب كأسا من الماء ثمّ وضع رأسه بين يديه كالنّاجي من الغرق في بئر عميق ، لم يدري ما يفعل أيضحك أم يبكي؟ يتمشّى قليلا في البيت و يفتح النافذة ليتأكد من أنه الصّباح، يرى أشعّة الشّمس و نورها و يرى المدينة عامرة بأهلها و حركة المرور على أشدّها و بائع الزهور يرشّ الورد المصنّف بالماء لتعبق رائحته و تجلب الزّبائن،الحمام ينقر بعض الحبوب في الشّارع الكبير، ينظر في الدّاخل، لا الوردة موجودة و لا البندقية، معطفه معلّق على الشمّاعة و الهاتف في جهاز الشّحن،لا... لا يجب أن ينسى الهاتف في المنزل عليه أن يضعه في جيب المعطف فمن يدري لعلّه ينساه، هكذا تأكّد أنه كان في حلم مزعج وأنّ شيئا لم يحدث و أن هذا الحلم الصّعب كاد بخرجه عن صوابه،

    كان عليه أن يكلّمها قبل الموعد اليومي العادي ليتأكّد من أنها بخير و أن الأمور على أحسن ما يرام حتّى يتخلّص نهائيا من آثار هذا الحلم، لذلك بعد أن شرب قهوته الصّباحية كلّمها دون انتظار بالهاتف ، يرتعش وكأنّه يكلّمها لأوّل مرّة، هذه المرّة يهمّه كثيرا أن يسمع صوتها،يريد أن يمسح صورة الحلم القاتمة و يتخلّص نهائيا من آثاره المؤلمة على نفسيته. ما أن رفعت الهاتف و قبلت المكالمة وهي بحالة استغراب لبكْرة المكالمة حتّى قال : صباح الخير ....مولاتي . هل أنت بخير وكلّ شيء على ما يرام، هل أنت مشرقة كعادتك و متى ستأتين للعاصمة ؟

    ردّت عليه: صباح النّور... وصحّ النّوم، نعم أنا بخير و بصحّة جيدة و أنا كما أنا و كما تعرف، ألم تنم جيّدا البارحة ؟ أراك قلقا على غير عادتك، نعم سآتي غدا كما اتفقنا. ما الذي يحدث هل كنت تشكّ في هذا؟

    قال : لا ...لا .. لا شيء المهمّ أنك بخير... وأنك ستأتين غدا... رجائي أن لا تنسي هاتفك و أن يكون في كامل الشّحنة و حاذري أن يضيع منك... اتّفقنا ؟

    قالت: أنا لم أفهم شيئا كأنك توصي بنتا صغيرة أو لا أدري ماذا، غريب أمرك هذا اليوم، ثمّ أين...امممم... لما أنت جافّ لهذا الحدّ و مضطرب أتريد شيئا بعينه، أريد تفسيرا لهذا المكالمة الغريبة؟؟

    ردّ: آه...حبيبتي... فعلا لم أنمْ البارحة جيّدا ، كان حلما ... اسمعي، لا فائدة في الحديث في هذا الآن... إعتذراتي...فعْلا لم أكن لطيفا معك هذا الصّباح كما يجب، خوفي عليك أطار غزلي، لذلك أصبح كلّ ما يهمّني أن تكوني بخير أوّلا و أن تصلي للعاصمة سالمة... سيكون لنا غدا كلّ الوقت للحديث و التفسير و للغزل ...قبلاتي... ثم لا تنسي أن تهاتفني قبل و أثناء الطريق.

    ردّت:نعم، نعم سيكون لك ذلك بكلّ تأكيد. أغلقت سمّاعة الهاتف دون أن تفهم سبب حرصه الزائد على سلامتها أثناء الطّريق... و لا سبب اضطرابه و جفافه، لكن لقاءها معه في الغد جعلها تتكتّم و تحبس فضولها...

    يتبع...

    نيرون:إمبراطور روماني حكم روما من 54 الى 68 وهو الذي أحرق روما



    التعليقات
    4 التعليقات

    مدون بلوجر

    المشاركات الشائعة