• الرئيسية
  • قصة قصيرة
  • ادب عربى وعالمى
  • رجيم وصحة
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • زرقـة بـحـر... و مـوعـد (23)








       وقف في لحظة تأمّل شاردة، كأّنه ندم على كلّ ما بدر منه، أهلْ كان عليه أن يتمسّك بمقابلتها، هل كان عليه أن يصرّ كل هذا الإصرار، ثمّ ماذا لو تظاهر بأنّ كل شيء سيّان عنده ؟ أن يراها أو لا يراها، لو قرّر أن يتظاهر ببرودة كما لاحظ عنها، هل كانت ستصدّقه ؟ لا... لا يمكن لها أن تصدّقه فقد خبرته سالفا و علمت أنّه يستطيع أن يخفي كلّ شيء إلاّ عواطفه تجاهها ، فرحه أو غضبه أو حزنه أو عتابه، سعادته برؤيتها كل شيء يظهر على قسمات وجهه فهو كتابها المفتوح، هو مدينتها المعلومة أنهجها و شوارعها أزقّتها و أنفاقها ... نظر حوله ثانية، رأى "بن خلدون" يمسك بكتابه  منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود غير آبه بالمارّة أو بأزيز محركات السيّارات و لا بارتعاش الأرض تحت عجلات "المترو " الذي يمرّ بجانبه على بعد أمتار من قاعدة التمثال. غيّر رأيه فجأة بعد لحظات التردّد و الندم، سيذهب ليراها هذا المساء، لما لا ؟ هل تعب بن خلدون من ضمّ كتابه حتى يتعب هو من حمل وٍزْر هذا الحبّ و تبعاته و زوابعه و رعوده؟ هل تعبت العذراء من حمل    وليدها على " كاتدرائية " هذا الشّارع التي تقع على يسار تمثال بن خلدون منذ ما يزيد عن قرن حتّى يتعب هو من حمل وليده الذي لم يتجاوز شهره السّادس؟ نعم يجب أن يذهب بكل سرعة و أن يجابه ما يحتمل و ما لا يحتمل، سيتجه إلى محطة شارع "روما" و منها سيستقل المترو الذي سيكون الأسرع حتّى من سيّارة التاكسي للوصول إلى المكان المقصود.
      لا وقت للتلعثم أو التردّد، يجب أن تكون الأمور واضحة كالسواد على البياض يجب أن تفهم أن لصبره حدودا، هكذا كان يرتّب نفسه و يحصّنها من كل مفاجأة قد تحصل، صحيح ها قد استجابت في نهاية الأمر إلى رغبته في اللّقاء ممّا خفّف درجة غضبه و جعل مساءه أقلّ شدّا و أكثر انشراحا من هذا الصباح أو حتّى يوم أمس لكنّ هناك الحدّ الفاصل بين الحبّ و اللاّحبّ  بين الجحيم و النّعيم بين الزّرقة و الغيوم. قطع تذكرته و صعد في أوّل "مترو" قادم فهذا الخطّ الحديدي يؤدي الى المكان المقصود بكل أرقامه الثالث و الرّابع و الخامس، أخذ مكانه على كرسيّ في "المترو"  في اتّجاه سير العربة ثم وضع يده  اليسرى على جبينه بينما مسك بهاتفه باليمنى ليتلهى به بين الحين و الآخر كمن يرغب في الهروب إلى شيء آخر غير الذي في ذهنه.
      وصل المكان بعد ما يزيد عن عشرين دقيقة كانت كافية ليبحر في كلّ الأسئلة الممكنة التي سيطرحها عليها و كلّ الأجوبة التي ستردّ بها، عليه أن يتماسك و أن لا يتوتّر فقد يفقده هذا بعض ذكائه و يجعله خارج دائرة الفهم و البديهة. لما رآها قادمة استوي في وقفته لدرجة تذكره بالوقفة العسكرية  شعر ببرد يلفّه فأغلق أزرار معطفه بحركة بطيئة ثمّ تنحنح حتى لا يتهدّج صوته و يظهر وهنه عندما يكلّمها، لن يبتسم للأسف لأنه لا يستطيع و يكره الابتسامة الصّفراء و لا يستطيع فعلها حتى لو حاول، كان يكره كذب المشاعر لذلك فشلت و انتهت كلّ قصص حبّه القديمة لأنّه ينسحب كلّها فقد إحساسه بالحبّ تجاه من أحبّ و لأنّه يكره أن يخادع نفسه و يخادع من كان يحبّ.
      نظر إليها من بعيد، كانت تضع نظارتها الشمسيّة على عينيها، ودّ لو تزيحها حتّى يري عينيها فهو خبير حديث العيون، نظرة واحدة منها تغنيه عن ألف سؤال، فلو يُكْتَبُ له أن يرى حدقة العينين سيستغني عن كلّ الأسئلة الجامدة. تقدّمتْ في اتّجاهه بثبات مُتّئدة الخُطى تعلوها ابتسامة خفيفة، جفّ حلقه و تجمّدت شفتاه، لأول مرّة يشعر أن لا رغبة له في أن يقبّلها، هو يعجز عن قبلة حتى بعد الخصام فما بالك بقبلة لا معنى لها، من يستطيع أن يقبّل قبلة لا معنى لها بل هل هناك قبلة تسمّى هكذا؟ تمتم قائلا: "هناك دمعة أو بحر من الدّموع، آهة للوداع أمّا قبلة فلا يمكن أن تكون. كم هو مرّ هذا الشّعور يا أيّها الولد المتيّم يا صاحب القلب الطريّ  الرّقيق الشفّاف، كيف تصبح كالجلمود أمام من تحبّ  وقد أصبحت؟" .
      مدّت يدها لتصافحه و همّت به لتقبّله قبلة التّحية المألوفة بينهما، مدّ يده بدوره ليصافحها و يعيق حركتها حتّى يمنع حدوث القبلة عندها فهمت بنباهتها أنه يرغب في مصافحة فقط فاكتفت بهذا كما يريد، لكنّها أمسكته من أصابع يده و هُما يغادران المكان في اتّجاه وسط المدينة، وقفا على الرّصيف بحثا عن سيّارة أجرة، لسوء الحظ كانت سيّارات الأجرة كلّها محجوزة فالمكان ليس مناسبا لتجد سيّارة شاغرة، بعد صمت ثقيل دام أكثر من ربع السّاعة تكلّمت لأوّل مرّة: للأسف كلّ السيّارات محجوزة ماذا نفعل فالوقت يداهمنا ؟ قال لها: لم يبقى أمامنا إلاّ أن نستقلّ المترو فمحطة "باب سعدون" لا تبعد كثيرا عن هذا المكان ، لنتمشّى قليلا في اتجاهها، ثم أن "المترو" أسرع في ظلّ هذه الزّحمة و انسداد الطّرق. ردّت قائلة: هيّا لنسرع كان عليك تقرّر هذا منذ البداية فقد أضعنا الوقت في انتظار عقيم، قد تكون أرادت قطع هذا الصّمت ولو بلومه عن التأخّر في قرار الذّهاب لمحطّة "المترو" فقد كرهت هذا الصّمت الواجم، قد تكون كذلك تساءلت عن سرّ صمته القاتل فقد تعوّدت حديثه المتواصل لحدّ الثرثرة أحيانا و لحدّ تطلب منه أن تأخذ نصيبها في الحديث حتى قدر ثلث الوقت المتاح و كان يمنحها الوقت ثمّ سرعان ما يقاطعها لتصمت حتىّ قبل أن تنهي حديثها فتقبل بالصّمت ثانية و يستمرّ هو في الحديث دون أن يتفطّن لمقاطعتها .
      هذا المترو يطلق منبّهه المزعج و يعلن وصوله المحطة، يصعدان العربة الأولى القليلة الزّحمة و يمسكان بعمود التوازن حتى لا ترجهما الفرملة الفجائية للمترو التي قد تسبّب اصطداما عفويا بين الرّكاب، يطلب منها أن تناوله محفظتها حتّى تُمسك العمود بشكل لا يجعلها تفقد توازنها فكعب حذاءها العالي لا يساعدها على ذلك ، لكنها ترفض قائلة: شكرا، أريد أن أعتمد على نفسي في كل الأمور ، فيردّ بنبرة جافّة: "لك ذلك، قد تكونين على حقّ" ثم ينظر في و جهها، قميصها مقفل بعناية بشكل لا يجعله يرى حتى أسفل رقبتها، ثديها نافر كعادته لكنّه يختبئ تحت حواجز لا حصر لها، شفة رقيقة و حمراء كالجمرة، عيناها... آه،  اللّعنة، لا يستطيع أن يراهما، كيف يطلب منها إماطة النظّارة و هما على تلك البرودة من اللّقاء؟ يصمت، هل كان عليك أن تفكّر في هذا قبل أن تفهم ما يجول بخاطرها. يصلان محطّة "بن رشيق" وسط العاصمة، يشير برأسه إليها معلنا رغبته في النّزول ثمّ يمسكها من يدها في اتّجاه الباب، تضغط بأصابعها على يده قائلة: درج المترو صغير أخاف أن أتعثّر فالكعب عالي كما ترى ثم تمسك بذراعه في حالة اتّكاء تامّة، يساعدها لتنزل بسلام، " الجوع يقتلني"، هكذا قالت وهي تنظر في عينيه بابتسامتها الخفيفة، لم تكن قاسية كمثل هذا الصباح أو الأمس، قد تكون اشتمّت رائحة الأكل المنبعثة من المحلاّت المختصّة أو تكون بهذا العرض للأكل تريد أن تتجاوز هذه الحالة التي لا داعي لها. سألها: أظنّك لم تأكلي شيئا منذ الصباح؟ لنذهب للمطعم، أجابت أريد لُمْجة خفيفة فقط فالوقت ليس بوقت فطور أو عشاء، اتّجها سويّا لمحل مشهور لإعداد الأكلات الخفيفة و جلسا قبالة بعضيهما ، سجّلا طلبهما لدى "الجرسون" و بقيا في انتظار إحضار اللّمجة، نزعت نظارتها الشمسية و وضعتها جانبا، نظر في عينيها مليّا فابتسمت قائلة: كأنك تراني لأوّل مرّة مالك في حالة غير طبيعية ؟ أجابها بردّ حادّ: و كأنّني غريب في هذا المجلس، أتعرفين؟... لأول مرّة أشعر بالغربة معك، بل أشعر أنّك غريبة عنّي، كل شيء تبدّل أو يظهر أنّه تبدّل، ابتسامتك، لون عيونك، شامة الخال، أسفل ذقنك، قوس حاجبك، أهدابك، حتّى رنّة صوتك التي أطربتني كلّما سمعتها أيّام و ليالي الشّتاء الفارط، شعرك، حتّى عقدك إختفى كأنّه يخجل منّي، أصابعك التي أوحت إليّ بصورة لا يستطيع رسمها أيّ رسّام، صورة أعرفها وحدي، كلّك تبدّل، هل أنت أنت؟ أجيبيني ....
      تبدلت قسمات وجهها، ظهر عليها ما يوحي بغضب دفين، كتمت غيضها لكن حركات أصابعها خانتها فقد كانت تربط يدا بيد أخرى و تشبّك أصابعها ثمّ تمسح جبينها حتّى تزيل علامات التقطيب الواضحة و بعدها قالت: لا أرى داعي لما تراه الآن، قد أكون مُتْعبة، بل أنا مُتعبة، عندما أكون كذلك، ينتابني قلق مبرّر  و تضيق الدّنيا في عيني فأفقد ولعي بنفسي و بالدّنيا و أفقد بعض ميزاتي فأجدني عاجزة عن البوح و يجفّ النّهر الذي يسقيني و يسقيك يا مجنون، لا تهوّل الأمر فهي سحابة عابرة قد تدوم ليوم أو لبعض أيّام ثم تذهب، هل تفهم؟ سأعتبر أنك لم تقل شيئا يضايقني لأنني لست في حاجة لخصومة في هذا الوقت بالذّات بل في حاجة لأن آكل قليلا و أن أشرب عصيرا ثمّ نتحدّث بعدها. تحسّست علبة السجائر لتأخذ سيجارة منها، لكنّه وضع يده على العلبة ليمنعها من التدخين قائلا: لن تدخني سيجارتك إلاّ بعد الأكل، قليلا من الصّبر و يكون كل شيء جاهز. ابتسمت و  أومأت برأسها في إشارة خفيفة أنها لن تدخّن ألاّ بعد الأكل. أحضر "الجورسون" طبق الأكل وأكواب العصير فانهمكا في الأكل و اكتشف بدوره  أنّه جائع رغم أنّه لم يشعر قَط بالجوع.
      بعد أن أكملت لمجتها شربت العصير ثم أشعلت سيجارتها بينما ظلّ يتابع حركاتها و يراجع تفاصيل الأمس و اليوم، قد يكون أساء فهمها لكن المرارة سكنت حلقه كان يودّ أن يراها على غير ما رآها هذا الصّباح بل كان يودّ أن يستقبلها بالحضن لكن ما حدث أفسد عليه رغبته و جعلته عصبيا و منكمشا لدرجة التبرّم، فهمت من صمته أنه لم يستسغ ما حدث رغم تبريراتها و أعذارها التّي ظهرت و كأنّها واهية فقالت في محاولة جديدة لإقناعه:  قلت لك إنّها غيمة صيف لن تلبث أن تمرّ ، تجنّبتُ مثل هذا الشّعور حتى لا أراك و لا تراني على هذه الحال، تأكّد أنه يؤلمني ألمك ، لكن لا يجب أن تكون عَبْد ظنونك و رهينة أوهامك، ليكن في علمك أن القلب يفقد بريقه أحيانا لكن نبضه لا يتوقف سيظلّ يخفق حين يراك رغم الغيمة، قمْ، لنتمشّى قليلا فالسير يخفّف الضغط و يرطّب المزاج.
      أخذها من ذراعها و خرجا من المحلّ، كان يودّ أن يزورا تمثال "بن خلدون" ليريها الكتاب المحضون بين ذراعيه بلا كلل و لا ملل ثمّ يريها العذراء و هي تحضن وليدها في أعلى "الكاتدرائية" لكنّها رجته بكل لطف أن يسيرا في  اتّجاه المحطة لرغبتها في العودة. كأنّها تريد الهروب لتعود بسرعة لمدينتها في الوطن القبلي، علّها تشحن ذاكرتها بما يجعلها ترجع لما كانت عليه، لبريقها، لسحرها، لوردها، لزهر النّسري، لبحرها و موجه العاتي، قد تكون تريد العودة لمملكتها لتتزوّد بما يجعلها هي، دون غيوم، أو لتستعيد ما يكاد يضيع منها. عندما وصلا للمحطة نظر في وجهها كمن يريد أن يتحقّق أنها ستعود في يوم مّا ببهجتها و سحرها و بما يجعله أسعد النّاس و أوفرهم حظّا. عندما همّت بالصّعود لسيّّارة الأجرة تراجعت و قبّلته قبلتها النّصف باردة و همست في أذنه قائلة: إنّها غيمة صيف، عدْ و أرقدْ هانئ البال، سأهاتفك عند انقشاع الغيمة، لذلك أرى أّنها غيمة صيف لا تدوم... ردّ بصوته المتحشرج: سأرى إن كانت غيمة صيف أو تقلّب شتاء ممطر... طريق السّلامة، هاتفيني لو ... ثمّ صمت كأنّه يريد أن تهاتفه عند وصولها سالمة لكنّه قرّر الصمت كإشارة كبرياء أو تمرّد. قد تكون فهمت مقصده أو تكون ندمت حتّى على الزيارة، قد يكون عجزها أن تكون كما تشاء أن يراها و كما يريد أن تكون جعلها أقلّ جرأة على رؤيته في هذا اليوم، لكن وخز الضمير يؤرّقها فهي رغم هذا لا تريد أن تراه حزينا بل لا يسعدها هذا أبدا...  

                                                        يـُتيع....                                                
       
    التعليقات
    16 التعليقات

    مدون بلوجر

    المشاركات الشائعة