• الرئيسية
  • قصة قصيرة
  • ادب عربى وعالمى
  • رجيم وصحة
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • زرقـة بـحـر... و مـوعـد (26)


      قالت بعد أن ثبتت في مكانها و توقفت عن السّير: يجب أن أقول و يجب أن تستجيب حتّى و إن كان رجائي و طلبي يعسر عليك الاستجابة له. قال بلهجة صارمة أفقدته الكثير من رقّته المعهودة: أراك متردّدة قولي ما تريدين ومهما كان الرّجاء فأنا في الاستماع، قال هذا و ابتلع ريقه و نظر في عينيها مدقّّقا فيهما حتى يخفي ارتباكه و ارتجاجه أمامها. ردّت بدورها بعد أن جمعت كل جرأتها قائلة: لا أخفي عليك، منذ مدّة لاحظت من كلامك أنك تطيل في بعض الأحيان السّهر مع...الأصدقاء خارج المنزل، هذا يقلقني عليك، أنا لا أطمئنّ عادة لهذا  المزاج و هذه العادة، زيادة على هذا أشعر أن صحّتك في الميزان، و أحسّ أنك تبالغ في بعض الأحيان بدرجة قد تأذيك لذا أرجو أن تقلع عن هذه العادة  أو أن تقلّل منها قدر الإمكان رغم ما قد يسبّبه لك من حرج... مع الأصدقاء، أنا أتفهّم هذا بكل تأكيد لكن هذا لا ينفي قلقي عليك، إمممم ... ما رأيك ؟
       قد تكون أرادت بذلك أن تلفت نظره بطريقة فيها الكثير الإيحاء بأن صحّته لا تهمّه وحده  و أن الذين حوله يحرصون على صحّته، قد تكون  أرادت أن تختبره لترى مدى استجابته لرجائها الذي تعتقد أنه صعب على رجل مثله له عاداته و طقوسه التي لا يعرفها إلا القلّة ممن حوله من الأصدقاء القدامى، أصدقاء الصبا ، لكنها بجرأتها المعهودة أرادت اختباره. لم يغضب كما كانت تنتظر بل ضحك و أشار برأسه  بأنه يوافقها تماما، لكن بقدر خوفه على نفسه كان خوفه عليها أن تشعر أنها ليست في المقام التي أشعرها أنّها تحتلّه، سيبرهن أنها سيدة الأمر وهي التي تلومه عن حبّ و خوف، سيضحك في وجهها كأي رجل يشعر أن الذين حوله يهمهم أمره، خاصة إذا كانت من يحبها.
     أخذها من يدها الناعمة كي يسيرا جنبا إلى جنب بعد أن توقفت و أتمّت كلامها و لم تلاحظ أنّه محرج من رجائها، قال لها وهو يداعب أصابع يدها برفق و لين: تعلمين أنّني لا أخرج للسّهر إلاّ بعد إلحاح الأصدقاء و هذا يحدث نادرا لأنني بطبعي أكره السهر الصاخب، أنا أمْيَلُ للهدوء و السّهر الحميمي في دائرة ضيّقة، لكنّ رغبتي في أن لا أكسف طلب الاصدقاء و لو على حساب رغباتي الشخصية جعلني أتنازل في بعض الأحيان إرضاء لهم و حبّا فيهم، فأصدقائي هم حلقة مهمّة في حياتي و لا أريد أن أفقدهم فأنا رجل لا يعيش سعيدا إلا بدفء الحبيبة و عطر أنفاسها و كذلك بدغدغة الأصدقاء، هكذا أنا، تربيت محبّا لمن أصطفيهم و أرتاح لهم و أقبل أخطاءهم و زلاّتهم عن طيب خاطر و دون حساب و أفقدهم حين يغيبون عنّي و أغضب عند تناسيهم لي، و أعترف أنني لا يمكن أن أتغيّر بعد  هذه السنين، لتعلم سيدتي أن مقامها فوق كل مقام و لتهنأ فحتى خروجي هذا لا يمسح صورتك من ذهني، أنت موجودة في المكان الذي أنا فيه، فقد استوليت على كل مساحات قلبي و اقتحمت حتّى أحلامي، رأيتك في منامي قمرا و فراشة و ملاكا و طيفا أبيض، رأيتك زائرة و رأيتك مغادرة و رأيتك فرحة و غاضبة، رأيتك مقيمة و رأيتك راحلة فلا تعتبي و ثقي أنني أقيس كل شيء  بميزان، فإن كان لومك خوفا على صحّتي فأنا افهم هذا و أوافقك فيه و أنا أعترف أنني يجب أن أقلّل من هذا قدر الإمكان و إن كان لومك يميل للغيرة و الشك و الظنّ فاعلمي ان هذا لا مبرّر له و أن كل المكان لك وحدك. قالت: ليس بي غيرة كما كنت تظن، أنا أعلم بك و بنفسي، لكن إسرافك في بعض الأحيان شرب النبيذ يقلقني، هل تجد لذّة في هذا ؟         
     ماذا يقول لها، ذات العين الصابئة التي و هبته مساحة أجمل من كل هذا الكون و أوسع من هذا البحر؟ "هي لا تعرف غربته و النبيذ"، سيقول لها: كأس النبيذ هو الذي أخرجني من وحدتي و أنا الرجل المتعب برجولتي و عشقي في لحظة مّا أصير شريك النبيذ و خصما عنيدا للغربة القاحلة، أغيّر المواقع، تارة أستلذّ بكأسي مع الأصدقاء و تارة أخرى أختار أن أشرب كأسي دون ضجيج و دون الأحبّة  كأسد وحيدا في غابته... سيقول لها:  أشرب كأسي بين الأحبة هروبا من الغربة القاتلة كالليل الذي يستضيء  بقمره أو نجمه، ففي العتمة أستضيء بكأسي. هي لا تعرف غربته و كأس النبيذ، لكنّها هي  التي تفهم كيف هاج عشقها و هو في حالة سكر قصوى و في حالة صفاء ساطع،" سواد على بياض" هكذا قالت في ليلة الصفاء المهيب، نهد أبيض و حارس أسمر شديد السمرة فمن يطلق سراح هذا النّهد؟ هي تعرف أيضا أنه لن يحرّر أيّ سجين لو لم يتعتعه كأسه و يدعوه لكسر الجليد ؟
       تتضارب و تتشابه الغربة، كالكأس و العشق، الأسود و الأبيض،الموت و الأزل، الجنّة و الجحيم . نظر في وجهها و كأنّ غيمة تحجبها عنه وتلفّها في رداء أبيض أو تمزجها بالسراب ثمّ قال:  أتعلمين ؟...كأس النبيذ يسليني عندما تشتدّ غربتي، يحملني إليك على سجّاد طائر لأحضر طقوس الركوع في معبد الحبّ بين يديك، يغريني بكسر الطّقوس و إعلان معصية العاشقين، عندما يغيب النبيذ ، عندما تغيبين بدورك يا سيدة الورد و الياسمين و تملؤني الغربة و الوحشة، قد لا تفهمين رَجُلاًًً تحاصره غربته، في هذه اللّحظة، يكون  الأسود و الأبيض ملاذي و يحمّلني ما لا طاقة لي به، لا يجب أن تغضبي،لذلك أدعوك في وحدتي و صمتي و قد أنهكتني المسافة التي بيننا و أقول لك: خذي عنّي هذا السّواد وانثريه و اتركي ما بقي لي من كلّ هذا البياض.
      لم تتأسف وابتسمت رغم أنها تمجّ النبيذ، غامت عيناها، فقد ذكّرها بتناقض الأسود و الأبيض، بليل من ليالي الشّتاء الطّويل، "ستكون جاحدة لو... نسيت،" "ماذا لو نَسِيتْ ؟...سيغضب حتما" جاء ليلتها مترعا وباح لها بما خبّآه،  منذ البداية كانت تعرف أنه سيقاتل من أجلها، من أجل امرأة تحبّ بعشقها البحري رجلا بكل تناقضاته، بليله و شمسه ، بحبّه و كرهه، بكل رقّة حبّه لها و بكل قسوته على نفسه، بالصّبر و نفاذ الصّبر،بجلوسه كطفل صغير بين يديها و بنفوره مخافة أن تلحظ ضعفا يعتريه، هو طيّع ونافر و ضاحك و عابس هو رجل له استثناءاته و له سطره و حرفه الخاص به. لذلك فتحت له الباب ليستريح و يرسم لذّة البوح.
        أحسّت كأنها أثقلت عليه و كأنّ اختبارها كان صارما و موجعا، أحسّت أنها ربّما تجاوزت الحدّ المسموح به و قد أثارت أوجاعه بعد برْء، لكنّها أرادت أن تنهي أسئلتها مرّة واحدة لكي لا تعود لهذا ثانية و لتغلق الصّفحة نهائيّا، ستجمع شجاعتها من جديد، ستنهي ما يؤرّقها دفعة واحدة و إلى الأبد، قالت بعد أن وضعت ذراعها تحت ذراعه كأنها تخاف أن يهرب من بين يديها كعصفور ملّ قفصه: ماذا لو فقدتني في يوم مّا وغبتُ تماما من حياتك؟
       لمّا سمعها انتفض و ارتبك لم يكن يفكّر في هذا أبدا، تملّكه الغضب و شعر بدوار، لفّ ذراعه على خصرها، مهمه، لم يطاوعه لسانه، شعر بثقل السؤال عليه، كاد يصيح في وجهها لكنه تمالك و تراجع في نهاية الأمر، هو سؤال فقط و ليس قرار، نطق بعد طول صمت وقال:  حين أفقد عناوين الأحبّة و يتجاوزني الزمن بقدر مسافة خصلة شعر حبيبتي، حين أفقد كل مواقيتي و بوصلتي و أضيع بين ثنايا الفيافي و كثبان الرّمال و حين تعترف النخلة أن الواحة تفقد في زمن العطش المرّ ساقيها و حين تشهد نوق النّجع أنّ الجمّال فاته الرّكب و ابتلعه سراب ما بعد العاصفة أو إبّانها، حين أكون وحدي في قلب الليل الدامس و عواء الذئب يصدع أذنيّ ،أصيح ، يا أيّها النجم القطبيّ السّاطع اخرج الآن من رحم الأفق البعيد لتدلّني عليها ، يا طائر الليل المسافر شرقا دلّني عليها ، يا عطرها الممدود جسرا بين شفتيها و قلبي، يا كاحلها الضّارع إلى ما علاه و السّاجد فوق كفّ القدم و على أديم الأرض، هل هذا أثرها؟ هل مرّت من هنا؟ حينها فقط سيهبّ الجميع للبحث عنك و سيجدونك على الشاطئ الرّملي وحيدة وحزينة، أتعلمين ؟ سوف يتعبك الهروب، سوف يلومك الجميع، خصلة شعرك، البوصلة،كثبان الرّمال،نخلة الواحة، نوق النّجع، طائر الليل،النجم القطبيّ، عطرك و أثر قدمك على الأديم، سوف تعتذري و تعودين للجنّة، لحضني و حرّ القبلة...لن تهربي.
      ضحكت و قالت: أ لهذا الحدّ ؟  قال: وأكثر...
    وصلا إلى المحطة، أحسّا أن اليوم خفيفا و قصيرا،نظر في وجهها وتحسّس خدها بكف يده وضعت يدها على أصابعه و أنزلتها برفق و أخفت دمعة كادت تنزل حتى لاتفسد عليه سفره،  قالت: كأنّني عرفتك اليوم كانت لنا فرصة كبيرة للحديث، لقد أعدت اكتشافك من جديد، أنت تستحق كل هذا، تستحقّ أن تكون حبيبي، أحسست بحرج الأسئلة لكنّني أردت بوْحَك ، أردت أن أبحث في زوايا قلبك عما لا أعرفه أو عما لم تسنح لنا الفرصة للحديث فيه لذلك أشعر الآن أنّني أكثر اطمئنانا و أصفى سجيّة و أشعر أنّك تتجدّد و تخرج في ثوب جديد يروق لي...هل ستعود ؟ قال وهو يمزح: سوف أفكّر في هذا بعد أن أرسم قبلتي على أو في المكان الذي أريد، أتعرفين المكان ؟ قالت ضاحكة: سيمنعك العقد من المرور، تكفي قبلة على الخدّ و لتكن قبلة عسكرية مثل ما حدث هذا الصباح.
      لم تكن قبلة كما أرادت بل قبّلها قبلة حارة على ضفّة الشفة السّفلى ثم ّ همس في أذنها ببعض الكلام فاحمرّ وجهها و قالت دعني أفكّر....
                                                                                   يتبع...  
           
    التعليقات
    16 التعليقات

    مدون بلوجر

    المشاركات الشائعة