• الرئيسية
  • قصة قصيرة
  • ادب عربى وعالمى
  • رجيم وصحة
  • سياسة الخصوصية
  • تواصل معنا
  • زرقــة بـحــر ... و مــوعــد ( 12)


    أيّها السّهاد البائس لا ترافقني هذه الليلة ، دعني لأحلامي ، دعني أبات ليلتي كما أريد ، أحتمي بدفء فراشي من هذا البرد القارس ، و أدير وجهي حيثما أريد ، دعني أختار ساعة نومي ، و ساعة حلمي ، و ساعة قيامي فلستَ حاكمي هذه اللّيلة و لست مُطيعك ، سأعلن عصياني ورفضي




    لكلّ ما يؤرّقني ، أنا اللّيلة حاكم نفسي ، و أمير أحلامي ، فلن يتودّدني أحد او يسهر معي إلا نور وجهها ، ثغرها ، إكتنازها ، ضياؤها ، نعم سيزيدني هذا البريق الناعم الممتزج بظلمة هذا الليل إنشراحا وغبطة ، هذا الليل الذي أعلنت منذ أمد حبّي له ، و الذي ألهمني و كان سراج أحلامي ، ليل أحبّه كما لم يحبّه أحد ، أحبّه بقمره ليلة إكتماله ، و بهلاله البازغ كالقوس ، وأحبّه حين يغيب و يقمر أو يهلّ من جديد .

    هكذا كان يقول و يضيف منتشيا وهو ممدّد على فراشه : أيّها السّهاد المهزوم أنّني عشقت اللّيل منذ أن كنت طفلا صغيرا و منذ أن كنت ذا الخمس سنوات سنّا ، أفترش حصير الحلفاء صيفا في باحة المنزل هناك حيث لا حاجز بيني والفضاء العالي الرّحب ، و أتوسّد ركبة أمّي ، أوجّه وجهي للسّماء ، أراقب القمر و أُعْجب لنوره ، أتأمّله تأمّل العاشق الوله . هكذا تحدّى السّهاد و سخر منه ... كان يسأل أمه وهو يتثبّت تضاريسه الظاهرة التي كان لا يفقهها و قد كان يظنّ أنّ القمر قرص : أمّاه ما ذاك الشبح الذي أراه في وسط قرص القمر ؟ كانت أمّه تجيبه بكل ثقة في النفس : إنه الولد المعلّق من رموشه في القمر، كان هذا الجواب يهزّه و يرعبه ، فيعود للسؤال ثانية : أمّاه من علّق هذا الطفل ومن رموشه في القمر و ما جناه حتى يعاقب هكذا ؟ كانت أمّه تحسّ برعشته و ألمه لمصير هذا الصبيّ فتمسح بيدها على رأسه برفق و حنان وتقول : هذا الصبي إرتكب إثما و عصى اوامر امّه التي طالما حذّرته من مغبّة العصيان . ينتفض ثانية و يمسك أمه من يدها ليتأكد من صدق كلامها ، و يعيد النظر في قرص القمر ، فيرى شكل طفل صغير يداه الى فوق و رجلاه تتأرجحان في الأسفل ، و وجهه يتجه الى الأعلى كانه فعلا معلقا من رموشه ، يكاد يسمع صراخه وهو يستجدي عطف السّماء و يطلب غفرانا لما أتاه من إثم العصيان ، يصرّ و يلح في السؤال : أمّاه ما الذي فعل هذا الصبي ؟ فتجيب أمّه و قد هالها أن ترى إبنها يهتم أكثر لهذا الصبي المُعلّق : لقد عصى أمر أمّه التي طالما حذرته من مغبّة رمي الخبز في مكان غير طاهر أو التأفّف منه فالخبز نعمة إلاهية و قد يعاقبنا الله بالمجاعة إن نحن لم نحافظ عليه في أماكن طاهرة أو نحن تأففنا منه ، هذا الصبيّ لم يستمع لنصائح أمّه و واصل إستهتاره لذلك علّقته ملائكة العذاب من رموشه عقابا له عوض ان يعاقب جميع الناس بالمجاعة ، يجب أن يعرف جميع الأطفال قدسيّة النّعم الإلاهية و منها الطعام فإياك أن تفعل مثل هذا الصبيّ فتلقى نفس المصير . كان هذا الكلام يرعبه و يتساءل في نفسه "كيف تقبل أمّا أن يعاقب إبنها هكذا و تصمت وهل هناك ملائكة للعذاب ؟ " كان يعتقد أن الذين يكلّفون بالمهام القذرة كالتعذيب هم الشياطين و ليس الملائكة ، لذلك هاله أن يكون عزرائيل ملاك ، عزرائيل الذي أفنى الناس و قابض الأرواح يكون ملاكا ؟ منذ ذلك الحين لم يعد يثق حتى في الملائكة التي كان يعتقد أنها ما خلقت إلاّ لتزرع السّعادة و الحبّ و قيم الجمال بين النّاس . يعود مرّة أخرى للسؤال : ومتى يرفع عنه هذا العقاب ؟ ياله من طفل مسكين ، أمّاه هل يبيت دون غطاء في فصل الشتاء و كيف ينام المسكين وهو معلّق من رموشه ؟ ومن أمر بهذه العقوبة القاسية ؟ فتجيب أمه : لا أدري يا بنيّ الله وحده يعلم ما مصير هذا الطفل ومتى يرفع عنه العقاب . كان هذا الجواب غير مقنع و غير شاف من حرّ السؤال ، يتساءل كم دامت رحلته للقمر؟ و هل يكون القمر سجنا كبيرا ؟ ماذا لو رفض أبوه هذا العقاب القاسي ؟
    كان يحرص كل ليلة على مشاهدة القمر و التأكد من صورة الولد المعلّق ، كان يتمنى أن تأتي الليلة التي لا يجد فيها هذه الصورة حتّى ينهي عذاب الصبيّ و يراه مترجّلا ، سيسأله عن كل تفاصيل الرحلة و عن مدّتها و سيسأله هل تاب عن العصيان ، عن بياض القمر ، عن السّحب ، عن النجوم التي تحيط به ، عن سرّ النيازك و الشياطين التي رجمت بها عقابا لها ، عن الأصوات التي تحدثها الرعود ، عن البرق اللامع في السّماء ،عن أصوات الملائكة التي قيل أنها تشبه أصوات العصافير ، عن عدد النجوم ، عن العرش الإلاهي ... كل هذه الأسئلة كانت تأتيه ليلا وهو يراقب السّماء ، ولا يجد لها الجواب الشافي لأن أجوبة أمّه تحيلة الى العلم الإلاهي " يعلم الله يا ولدي"ّ كان هذا جوابها عن كلّ أسئلته ، لم تكن متأكدة إلاّ من حكاية الطفل المعلّق في القمر ، أو جزر الشاق الواق أو حكاية ياجوج وماجوج و خراريف رعب أخرى طالما روتها و كانّها شاهذ عيان..
    عندما دخل المدرسة ، لم يكن يبحث عن الأجوبة فقد كانت أحاديث أمّّه و خراريفها من المُسلّماتِ الى أن أتى اليوم درس فيه المنظومة الشمسية ، إكتشف أن القمر كوكب طبيعي ، و أنه ليس بقرص كما كان يظنّ ، وعندها لم يجد متّسعا للصبر، سأل معلمه دون تردّد و بصفة الواثق من نفسه ، سيّدي أما آن رفع عقوبة ذاك الطفل الذي أعلن عصيانه و لم يمتثل لنصائح أمّه ؟ كان عليه أن يروي القصّة كاملة لما لاحظ إستغراب معلّمه و همس بعض زملائه بالفصل ، جلبت الرواية إهتمام الجميع حتى القِلّة الهامسة من التلاميذ ، بل هناك من سانده في روايته و زاد تفاصيل أخرى لا يعرفها و لم تروها أمه فخفّف هذا من حرجه وزاده ثقة بنفسه حتّى لا يظهر في صورة الكاذب . عندما فسّر المعلم حقيقة النظام الشمسي و سيرورة الكواكب و دقّة نظامها و أن أسطورة الطفل المعلّق من رموشه ما هي إلاّ أساطير و أنّ تلك الخطوط قد تكون تضاريس القمر أوما شابه ذلك ، شعر يومها أن كابوسا إنزاح من مخيلته و فرح أيّما فرح فقد إتضح أن الطفل الذي إعتقد أنه تعذّب كثيرا جرّاء عصيانه لم يعذب و أن المسألة لا تعدو إلاّ أن تكون خرافة أو شيء من الهذيان .
    من يومها زاد حبّه للقمر و لليل الذي بفضله تتّضح رؤيته ، أصبح عاشقا لليل و للقمر وانزاحت تلك الصّورة القاتمة حول الصبيّ المعلّق ، منذ ذلك اليوم أعاد ترتيب الاشياء و توسّعت دائرة الشكّ في كل المسلمات فكل شيء قابل للمراجعة و الشكّ و كل شيء عرضة للتساءل و السؤال : الملائكة ، الشياطين ، عزرائيل ، عقوبة العصيان ، النّعم المقدّسة ، العرش الإلاهي ، تفاحة حوّاء اللعينة ، اسطورة ذو القرنين ، إنشقاق البحر لموسى أو حتّى عصاه ، بلاد الشاق الواق ، الياجوج و الماجوج ، عروس البحر ، التفاح الذي يرجع الشباب ، سيف على بن أبي طالب ، موت الزير المهلهل ، زوجة العزيز ، براءة الذئب من دم يوسف ، الوليّة الصالحة "أم الزين المنوبية" الوليّ الصالح "سيدي عمر عبادة ّ الذي عالج الحديد باردا بيديه ... كل هذا كان قابلا للشكّ و المراجعة و التدقيق كل شيء يجب أن يصنّف في زاوية الأسطورة ما دامت حكاية الطفل المعلّق تندرج ضمن هذا ... لكن أساطير أمّه ، تخاريفها ، إستقبال صحن السماء ، جمال القمر ، المبيت في باحة المنزل حتى لذع البرد الصباحي صيفا ، النّوم على ركبة الأم شيء لا يعوّض رغم مرارة الشكّ ، الشكّ في في كل ما هو مقدّس...
    "أيها السهاد البائس لا ترافقني دعْني لأحلامي ، دعْني أبات ليلتي كما أريد ..." هذا ما ردّده في أول إستلقاء له على فراش النوم عندما كان صوتها و صداه يداعبان أذنيه ، كم كانت متوهّجة أيها الّليل الصديق ، أيها القمر الذي إختبأ خلف سحاب شتوي ، النّافر و المشيح عنّي بوجهك ـ أقسم أنني لم أختر هذه المدينة / الإسفلت بل إختارني القدر أن أكون أحد ساكنيها فلا تنزعج و لا تغضب ، سأعود إليك طفلا صغير يؤمن بالعنقاء و كرامة أولياء الله الصالحين حتّى و إن كنت لا أومن بهذا و لا أصدّقه لأنني في حاجة لإيمان العجائز في جلّ الأحيان لذلك سأستعير هذا الايمان لبعض الوقت لأجلك أيّها اللّيل لأجل القمر. نطر في ساعة الهاتف الخلوي... يا الله ، إنّـها الواحـد صباحا ـ هكـذا يسْهـر دون أرق أو سـهاد ، سيموت لو نام ليلة باكرا فماذا يفيد النّوم باكرا ؟ ...
    يسحب غطائه يلفّه حول جسده كما يلفّ تبغ السيجارة ، يجب أن ينام فقد أوفى اللّيل حقّه وداعب وجه قمره في مدينة القحط و في ليلة شتوية ، أغمض عينه ، تراقص ضوء أبيض لا يعرف مأتاه أمام عينيه المغمضتين ، شعر بإرتخاء ...و لن يتذكّر ما حدث فيما بعد ...
    يال هذه الفراشة التي تحوم حول وجهه و تداعبه ، يتابعها ، تجوب أركان غرفته ، منذ أن وطأ المدينة لم يرَ فراشة بهذا الحجم و الجمال ، بل أنه لم ير فراشة ما عدى حشرات مفزعة و مقرفة ، ما الذي دعا هذه الفراشة أن تزوره ليلا ؟ مدّ يده فلم تهرب كما تفعل جلّ الفراشات ، أدار كفّ يده إلى الأسفل و أطلق يده في الفضاء ، دارت الفراشة حول يده كمن يبحث مكان للإستراحة ، لم يحرّك يده ظلّ يمدها كما الصّنم و ظلّت تدور حولها حتّى تعبت عندها قرّرت أن تحطّّ على ظهر كفّ يده ، أحسّ بحفيف و نسمة خفيفة متأتية من حركة جناحيها ، عندما حطّت نهائيا و استراحت أراد أن يمسّ جناحها المزركش الليّن ، خاف أن يكسره فتفقد الفراشة حقها في الطيران ، ما قيمة فراشة بجناح مكسور سيكون المشهذ حزينا لو كسّر جناحها ، سيقضم أظافره ندما لو فعل هذا و تسبّب لها في أذى ، تعبت يده و قد أرهقه مدّها هكذا، ضمّ يده قليلا الى صدره ، لم تطرْ الفراشة ، تثبّت فيها بدقة الرسّام الخابر في الأشكال و الألوان ، لما إقترب منها أكثر باغته العطاس ففعل ، طارت الفراشة مذعورة و اتجهت نحو سقف البيت ، مدّ يده على أمل الرّجوع اليه ، بقي ينتظر حتى ملّ الإنتظار ، لم ترجع الفراشة ، بقيت معلّقة في سقف البيت ، إنتطرها مرّة أخيرة لتعود إليه ، تجاهلته و بقيت معلّقة في السقف ، تذكّر الولد المعلّق في القمر ، فراشة معلقة في سقف البيت/طفل معلّق في القمر ، يمكن الوصول الى الفراشة في حين يستحيل الوصول الى القمر ، سيثأر من حالة عجزه السّابقة في إنقاذ الصبي المعلّق ، يجب على الفراشة أن تحطّ أينما شاءت لكن أن تبقى معلّقة هكذا فهذا لن يرضيه فقد تكون عجزت أو وهنت ، لكنّه لا يسمع صراخها و طلبها للنجدة كما لم يسمع صراخ الولد المعلّق في القمر ، ما هذا التشابه ؟ شعر أن سريره يعلو الى فوق كبساط الرّيح ، رويدا رويدا يصعد الى سقف البيت ، ها أنه بدأ يقترب من الفراشة بل أن يده على بعد بعض السينتيمترات منها ، ظهر له أنها ترتجف و لا تطير ، سيأخذها دون أن يكسّر جناحيها الرائعتين ، همّ بها ... سمع صوت المنبّه المتكلّم للهاتف الخلوي الذي يدعوه للنهوض من النوم فقد حانت الساعة السّادسة صباحا ، إرتجّ و خاف لظنّه أنه معلّق و سريره قرب سقف البيت إلى جانب الفراشة ، شدّ بيديه في جنبيْ السّرير مخافة السقوط أرضا ، فتح عينيه ، رأى ضوْءً خافتا يتسرّب من النافذة ثم فهم أنه ليس معلّقا قرب سقف البيت كما كان يظنّ بل أنه كان في حلم ، حلم متابعة الفراشة الجميلة و الرغبة في إنقاذها حتّى لا تبقى معلّقة كما بقي ذلك الصبيّ المعلّق في القمر، قد تكون رغبته المكبوتة في تعويض عجزه عن إنقاذ الصبي لبعد القمر أو للأسئلة الغامضة التي لم يجد لها جوابا... إبتسم ثمّ دفع بغطائه و بحث عن نعليه و عند إنتعاله ، قام و ذهب للإغتسال الصباحي ليذهب للعمل باكرا كعادته ، حتّى و إن كان ثملا فإنّه لا يتأخرعلى عمله ...
    لهذا الصباح طعم لذيذ و نسمات منعشة رغم لسعات البرد ، كيف لا وهو الذي ينتـظر مكالمة هامّـة منها ؟ سيصل الأوّل الى مكتبه و يزيح الستائر و يفتح النّوافذ للتهوئة ثم سيتّجه الى المشرب للتّحيّة الصّباحية لزملائه ثم لتناول قهوته الصافية الخفيفة و الإطلاع على آخر المستجدات و سير العمل داخل المؤسسة ثم يعود لمكتبه ليغلق النوافذ و يبدأ عمله الروتيني في إنتظار مهاتفتها التي بدأت تؤرّقه مع مرور السّاعة و بدأت تضيف ألف سؤال و سؤأل في مخيّلته دون أجوبة باتّة ، ترى ما جـديـدها هذا اليوم ؟ ...
    يتبع....



    التعليقات
    8 التعليقات

    مدون بلوجر

    المشاركات الشائعة